إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

279

زهر الآداب وثمر الألباب

وأزاحه عن بابه ؛ فجاء مليحا في الطبع ، مقبولا في السمع : يا سائلى عن جعفر ، عهدي به رطب العجان وكفّه كالجلمد « 1 » كالأقحوان غداة غبّ سمائه جفّت أعاليه وأسفله ندى « 2 » ومن مستحسن ما روى في هذا التضمين قول الآخر وضمن بيتا لمهلهل ابن ربيعة : وسائلة عن الحسن بن وهب وعمّا فيه من كرم وخير فقلت هو المهذب ، غير أنى أراه كثير إرخاء الستور وأكثر ما يغنيّه فتاه حسين حين يخلو بالسّرور فلو لا الريح أسمع من بحجر صليل البيض تقرع بالذّكور وهذا البيت لمهلهل مما يعدّونه من أول كذب العرب ، وكانت قبل ذلك لا تكذب في أشعارها « 3 » ، وكان بين الموضع الذي كانت فيه هذه الواقعة وهي بالجزيرة وبين حجر وهي قصبة باليمامة مسافة بعيدة ، فأخرجه هذا الشاعر بقوة منّته ، ونفاذ فطنته ، إلى معنى آخر مستظرف في بابه . وهذا المذهب أحسن مذاهب

--> « 1 » العجان : الاست . والجلمد : الصخر « 2 » هذا التضمين يذكر بقول بعض المولدين : تصدى إلى ايرى فقلت له اتئد وعيشك لو أبصرته وهو ثائر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ، ولا عن بعضه أنت صابر والأصل : وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ، ولا عن بعضه أنت صابر « 3 » هذا ترديد للفكرة المشهورة من أن العرب في جاهليتهم كانوا لا يتجاوزون الواقع حين يصفون ، وهذا فيما أرى غلو في تقدير أهل البادية ، والمعقول أن طبيعة الناس تبيح المغالاة ، بلا تفريق بين الطبقات الاجتماعية